الفيض الكاشاني
18
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
حيث قال : « مثل الجليس السوء كمثل القين إن لم يحرقك بشرر ناره ، علَّق بك من ريحه » ( 1 ) فكما أنّ الريح يعبق بالثوب ولا يشعر بها فكذلك يسهل الفساد على القلب وهو لا يشعر به . وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « مثل الجليس الصّالح مثل صاحب المسك إن لا يهب لك منه تجد ريحه » ( 2 ) ولهذا أقول : من عرف من عالم زلَّة حرم عليه حكايتها ، لعلَّتين إحداهما أنّه غيبة والثانية - وهي أعظمها - أنّ حكايتها تهوّن على المستمعين أمر تلك الزّلَّة ويسقط من قلوبهم استعظامهم للإقدام عليها فيكون ذلك سببا لتهوين تلك المعصية فإنّه مهما وقع فيها واستنكر ذلك دفع الاستنكار فقال : كيف يستبعد هذا منّا وكلَّنا مضطرّون إلى مثله حتّى العلماء والعبّاد ولو اعتقد أنّ مثل ذلك لا يقدم عليه عالم فلا يتعاطاه مرموق ( 3 ) معتبر لشقّ عليه الإقدام ، والطبع اللَّئيم يميل إلى اتّباع الهفوات والإعراض عن الحسنات ، بل إلى تقدير الهفوة فيما لا هفوة فيه بالتنزيل على مقتضى الشهوة ليتعلَّل به ، وهذا من دقائق مكائد الشيطان ولذلك وصف الله تعالى المراغمين للشيطان فيها بقوله تعالى : « الَّذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه » ( 4 ) . وضرب صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لذلك مثلا وقال : « مثل الَّذي يجلس يستمع الحكمة ثمّ لا يحمل منها إلا شرّ ما يسمع كمثل رجل أتى راعيا فقال : يا راعي أجزر لي شاة من الغنم فقال : اذهب فخذ خير شاة فيها فذهب فأخذ بأذن كلب الغنم » ( 5 ) . وممّا يدلّ على سقوط وقع الشيء عن القلب بسبب تكرّره ومشاهدته أن أكثر الناس إذا رأوا مسلما أفطر في نهار رمضان استبعدوه استبعادا يكاد يفضي اعتقادهم
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود ج 2 ص 558 والنسائي في اليوم والليلة كما في الترغيب ج 4 ج 50 في حديث : هكذا : « مثل الجليس السوء كمثل صاحب الكير ان لم يصبك من سواده أصابك من دخانه » والكير : زق ينفخ فيه الحداد ، والقين : الحداد . ( 2 ) جزء من الخبر السابق . ( 3 ) في الاحياء « موفق معتبر » . ( 4 ) الزمر : 20 . ( 5 ) أخرجه ابن ماجة تحت رقم 4172 من حديث أبي هريرة وفيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف .